الحطاب الرعيني
68
مواهب الجليل
مثل إفريقية والأندلس وطنجة فأقام بها فرفعت أمرها إلى السلطان ، فلينظر إليها وليزوجها . وأما إن خرج تاجرا أو في سفر لغير مقام فلا يزوجها ولي ولا سلطان وإن أرادته الابنة انتهى . فحمل قوله في المدونة إلى مثل إفريقية على أن المراد من مصر . واستبعد ذلك ابن عبد السلام قال : لأن المسألة من كلام مالك في المدونة ، ويحتمل أن يريد ذلك مثل إفريقية من المدينة انتهى . وعلى ذلك حملها الرجراجي كما سيأتي في كلامه ، وإلى هذا القسم أشار المصنف بقوله وزوج الحاكم في كإفريقية وظهر من مصر وتأولت أيضا بالاستيطان . فصدر بالقول الأول الذي صدر به ابن رشد وقال : إنه ظاهر المدونة والعتبية . وأشار إلى تفسير ابن رشد المدونة بقوله : وظهر من مصر . ثم أشار إلى القول الثاني لأن ابن رشد ذكر أن المدونة تأولت عليه . وأفاد بقوله أولا أن المدونة تأولت على الأول أيضا ، واقتصر على هذين القولين لقوتهما عنده لأن المدونة تأولت عليهما وصدر بالأول لأن ابن رشد ضعف القول الثاني فإنه قال في آخر شرح هذه المسألة : وأما الاعتبار بالاستيطان فلا وجه له انتهى . تنبيهات : الأول : علم من كلام المدونة وكلام ابن رشد أن هذا الخلاف إنما هو إذا كانت غيبة الأب عن ابنته غيبة انقطاع بمعنى أنه طالت إقامته بحيث لا يرتجى قدومه بسرعة غالبا ، وأما من خرج لحاجة أو تجارة ونيته العود ولم تطل إقامته فلا تزوج ابنته ، وصرح بذلك الرجراجي وابن الحاجب وغيرهما . وربما يستروح ذلك من قول المصنف وتأولت أيضا بالاستيطان . قال الرجراجي : غيبة الأب عن ابنته البكر على وجهين : غيبة انقطاع وغيبة ارتجاع . وغيبة انقطاع بمعنى الغلبة والاضطرار أو على معنى الترفه والاختيار . فإن كانت على معنى الغلبة والاضطرار كالأسير ، فإن كانت البنت في حرز وتخصيص ونفقة جارية ولم تدع إلى النكاح فلا تزوج في غيبة إذ لا يجبرها سواه ، وإن دعت إلى النكاح زوجت إن كانت بالغة ، وإن كانت في غير حرز وتحصين أو كانت في حرز ولا كفاية ولا مؤنة معها فإنها تزوج إذا خشي عليها الفساد والضيعة دعت إلى النكاح أم لا . وإن كانت غيبة الانقطاع على معنى الترفه والاختيار فلا يخلو من أن تعلم حياته أو تجهل ، فإن علمت حياته وكان موضعه قريبا فلا خلاف أنه لا يفتات عليه في إنكاح بناته ، دعون إلى ذلك أم لا ، إلا أن يتبين ضرره بهن فيكون كالعاضل فإن الامام يتقدم إليه ، إما أن يزوجها وإلا زوجها عليه الامام . وإن كان بعيد الغيبة كالأندلس من المدينة فالمذهب على قولين : أحدهما أنها تزوج بلا تفصيل وهو ظاهر المدونة . والثاني أنها لا تزوج إلا أن يخشى عليها الفساد والضيعة وهو ظاهر قول مالك في كتاب محمد . وإن جهلت حياته فظاهر المذهب الامام ينظر لها ويعقد عليها . ولمالك في كتاب محمد أن الأخ يزوجها برضاها . وهذا الخلاف مبني على الخلاف في المفقود ، هل حكمه حكم الحي أو الميت . وأما إن كانت غيبة الأب غيبة ارتجاع كمن خرج لتجارة أو لطلب حاجة لا إشكال في